المركز الإعلامي للمؤتمرات

المركز الإعلامي

النسخة رقم.2
  • ادارة مكاتب المحاماة

الذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف موازنة الابتكار وحماية الصناعات الإبداعية 

يشهد العالم تحولًا جذريًا بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو تحول يثير تساؤلات قانونية معقدة حول مدى توافق هذه التقنيات مع أنظمة حماية حقوق الملكية الفكرية، ولا سيما حقوق المؤلف. وفي هذا السياق، بتاريخ ٦ مارس ٢٠٢٦ صدر تقرير لجنة الاتصالات والرقمنة بمجلس اللوردات في المملكة المتحدة بعنوان AI, Copyright and the Creative Industries، ليطرح رؤية تحليلية شاملة للتحديات القانونية والاقتصادية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الصناعات الإبداعية، مع تقديم مجموعة من التوصيات التنظيمية لضمان تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية حقوق المبدعين.

 

يؤكد التقرير أن الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة تمثل ركيزة اقتصادية مهمة، إذ ساهمت بما يقارب 124 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد البريطاني عام 2023، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 141 مليار جنيه بحلول عام 2030.

وتستند هذه القوة الاقتصادية إلى نظام حقوق ملكية فكرية يعد من أكثر الأنظمة صرامة واحترامًا على المستوى الدولي، حيث يمنح المبدعين سيطرة قانونية على استغلال أعمالهم ويضمن لهم عائدًا اقتصاديًا مقابل استخدامها. غير أن ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تعتمد في تدريبها على كميات هائلة من البيانات والمحتوى البشري المنشأ، بات يطرح تحديًا مباشرًا لهذا النظام القانوني.

 

يشير التقرير إلى أن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي يمر بعدة مراحل تقنية رئيسية، تبدأ بجمع البيانات ومعالجتها، مرورًا بتدريب النماذج، ثم تشغيلها وإنتاج المخرجات. وخلال هذه المراحل قد يتم نسخ أو معالجة أعمال محمية بحقوق المؤلف، مثل الكتب والمقالات والصور والموسيقى، ما يثير تساؤلات حول مدى مشروعية استخدام هذه الأعمال في تدريب النماذج دون الحصول على ترخيص من أصحاب الحقوق.

ويؤكد التقرير أن القانون البريطاني الحالي لا يتضمن استثناءً عامًا يسمح باستخدام المصنفات المحمية لأغراض التدريب التجاري للذكاء الاصطناعي، إذ يقتصر الاستثناء المتعلق بالتنقيب في النصوص والبيانات على البحوث غير التجارية فقط
.

وفي ضوء ذلك، برز جدل واسع بين قطاع التكنولوجيا والصناعات الإبداعية. فبينما تدعو بعض شركات التكنولوجيا إلى استحداث استثناء قانوني واسع يسمح باستخدام الأعمال المحمية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، يرى ممثلو الصناعات الإبداعية أن المشكلة لا تكمن في قصور التشريع القائم، بل في ضعف آليات إنفاذه وانعدام الشفافية بشأن البيانات المستخدمة في تدريب النماذج. ويؤكد التقرير أن الاستخدام غير المرخص للمحتوى الإبداعي قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة، من بينها انخفاض دخل المبدعين وظهور محتوى مولد آليًا ينافس الإنتاج البشري في الأسواق.

 

كما يسلط التقرير الضوء على مشكلة أخرى تتمثل في قدرة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى يحاكي أسلوب أو صوت أو هوية فنان أو كاتب معين، وهو ما يكشف عن وجود فجوات قانونية في حماية الهوية الرقمية والحقوق الشخصية للمبدعين. ومن ثم يدعو التقرير إلى تطوير إطار قانوني يضمن حماية المبدعين من الاستغلال غير المشروع لأساليبهم أو شخصياتهم الرقمية.

 

وفي سبيل تحقيق التوازن بين دعم الابتكار التكنولوجي وحماية الحقوق الإبداعية، يقدم التقرير عدة توصيات رئيسية، من أبرزها: تعزيز الشفافية بشأن بيانات التدريب المستخدمة في نماذج الذكاء الاصطناعي، دعم إنشاء سوق ترخيص منظم يتيح استخدام المحتوى الإبداعي مقابل عائد عادل لأصحاب الحقوق، وتطوير معايير تقنية تسمح بتتبع مصدر البيانات وتمييز المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي. كما يشدد التقرير على أهمية تطوير نماذج ذكاء اصطناعي وطنية تتمتع بقدر أكبر من الشفافية والامتثال للقوانين المحلية.

 

وفي الختام، يخلص التقرير إلى أن مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية يتوقف على قدرة المشرع على صياغة إطار تنظيمي يحقق توازنًا دقيقًا بين تشجيع الابتكار التقني وضمان العدالة الاقتصادية للمبدعين. فبدون هذا التوازن، قد يؤدي التوسع غير المنظم في استخدام المحتوى الإبداعي لتدريب النماذج الذكية إلى تقويض الأسس الاقتصادية والقانونية التي تقوم عليها الصناعات الإبداعية.

 

المعرض

القائمه البريدية

القائمه البريدية